محمد محمد أبو ليلة
174
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأنه لا يجوز بالتالي الخروج عنها أو الابتداع فيها ؛ وقد ذكرنا كلام ابن مسعود بشأن مصحف عثمان ، الذي أشار إليه المستشرقون ، وبيّنّا أن معارضة ابن مسعود لمصحف عثمان قد قبلها المستشرقون واعتمدوا عليها دون تفنيد ودون قراءة لها في إطار السياق العام لروايات جمع المصحف . ويظهر من هذه الروايات أيضا كذب من زعم أن عبد اللّه بن مسعود كان يجيز قراءة القرآن بالمعنى ، هذا محض افتراء « 1 » ؛ قال أبو شامة في المرشد الوجيز عن بعض الشيوخ : " إن القرآن أنزل أولا بلسان قريش ومن جاورهم من العرب الفصحاء ثم أبيح للعرب أن يقرءوه بلغاتهم التي جرت عادتهم باستعمالها على اختلافهم في الألفاظ والإعراب ، ولم يكلّف أحد منهم الانتقال عن لغته إلى لغة أخرى تجنبا للمشقة ، ولما كان فيهم من الحمية ، ولطلب تسهيل فهم المراد " « 2 » ؛ وأوضح بعض الشيوخ المسألة أكثر بقوله : " إن الإباحة المذكورة لم تقع بالتشهى ( أي ) بأن أحد وجوه الكلمة بمرادفها في لغته بل المرعي في ذلك السماع من النبي صلى اللّه عليه وسلم " . يشير إلى ذلك قول كل من عمر وهشام في حديث الباب " أقرأني النبي صلى اللّه عليه وسلم " « 3 » ، وكان عبد اللّه بن مسعود مبعوث عمر بن الخطاب إلى الكوفة يقرئهم بقراءته التي تعلمها من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأخذ أهل الكوفة القراءة عنه قبل أن يجمع عثمان والصحابة الناس على حرف واحد ، وأخذها عنه خلق كثير حتى بعد وفاته ، لم تزل في صحابته من بعده يأخذها عنهم الناس كعلقمة بن قيس النخعي ( ت : 62 ه ) ، والأسود بن يزيد ( ت : 74 ه ) ، ومسروق بن الأجدع ( ت : 63 ه ) ، وغيرهم « 4 » . واستمرت قراءة عبد اللّه بن مسعود في الكوفة لفترة ، ولكنها انحسرت من حيث انتشرت قراءة المصحف العثماني ، إذ كان عثمان قد أرسل بأبى عبد الرحمن السلمى ، واسمه عبد اللّه بن حبيب إلى الكوفة ليقرئ الناس فمكث فيهم يعلمهم القرآن أربعين سنة ، وقد أشرنا إلى أن عثمان قد أرسل نسخة من المصحف الإمام إلى الكوفة . ومما يدل على شيوع القراءة العثمانية ما رووه عن الأعمش قال : " أدركت أهل
--> ( 1 ) ابن الجزري كتاب النشر ص 32 . ( 2 ) ص 16 . ( 3 ) السيوطي - الإتقان 1 / 131 وما بعدها ، وعبده الراجحى - اللهجات العربية في القراءات القرآنية ص 83 وما بعدها . ( 4 ) ابن مجاهد السبعة في القراءات ص 46 ، 67 .